ابراهيم بن عمر البقاعي
372
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بالكتب والصحف منهم ثلاثة : إبراهيم وعيسى وداود ، وقد وقع كل منهم سادسا لصاحبه ، وهو العد الذي كان فيه الخلق ، فلعل ذلك إشارة إلى أن اللّه لا يحب العجلة ، فكما أنه لم يعجل في إنشاء الخلق ، فكذلك لم يعجل بإنزال الكتب التي بها قوامهم وبقاؤهم دفعة ، بل أنزلها منجمة تبعا لمصالحهم وتثبيتا لدعائمهم ، ومن لطائفه أنه تعالى بدأ المذكورين ، وختمهم باثنين من أولي العزم اشتركا في أن كلا منهما أهلك من عانده كنفس واحدة بالإغراء ، ترهيبا لهؤلاء الملبسين على أهل الإسلام بالباطل المدعين أنهم أتباع ، ووسّط بينهم وبين بقية المسمين عموم النبيين والمرسلين ، ولعله آخر الرسل ليفهم أن كل من عطفوا عليه مرسل ، ولأن رتبة النبوة قبل رتبة الرسالة ، بمعنى أنها أعم منها . ولما سرد أسماء من دخل في العموم بدأهم بأشرفهم ثم بالأقرب إلى هذا النبي الكريم فالأقرب من المرتبين على حسب ترتيب الوجود ، إشارة إلى أنه سن به في الوحي سنة آبائه وإخوانهم وذرياتهم - واللّه أعلم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 165 إلى 166 ] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 165 ) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) ولما كان معظم رسالة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بشارة ونذارة ، قال مبينا أنهم مثله في ذلك كما كانوا قبله في الوحي ، لأن المقصود من الإرسال لجميع الرسل جمع الخلق بالبشارة والنذارة : رُسُلًا أي جعلناهم رسلا ، ويجوز أن يكون بدلا من « رسلا » الماضي ، وأن يكون حالا ، حال كونهم مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ثم علل ذلك بقوله : لِئَلَّا يَكُونَ أي لينتفي أن يوجد لِلنَّاسِ أي نوع من فيه قوة النوس . ولما كانت الحجة قد تطلق على مطلق العذر ولو كان مردودا ، عبّر بأداة الاستعلاء فقال : عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ أي واجبة القبول على الملك الذي اختص بجميع صفات الكمال في أن لا يعذب عصاتهم ؛ ولما كان المراد استغراق النفي لجميع الزمان المتعقب للإرسال أسقط الجار فقال : بَعْدَ أي انتفى ذلك انتفاء مستغرقا لجميع الزمان الذي يوجد بعد إرسال الرُّسُلِ وتبليغهم للناس ، وذلك على أن وجوب معرفته تعالى إنما يثبت بالسمع ، وأما نفس المعرفة والنظر والتوحيد فطريقها العقل ، فالمعرفة متلقاة من العقل ، والوجوب متلقى من الشرع والنقل . ولما كان ذلك ربما أوهم أنه ربما امتنع عليه قبل ذلك سبحانه أخذ بحجة أو